أحمد ياسوف
387
دراسات فنيه في القرآن الكريم
المناسبة لانتشار أجساد الموتى بعد خروجها من الأرض ، ومثل « حصّل » الدالة بصادها المشدّدة على شدّة التقصّي والجمع » « 1 » . ويبدو جليّا أن هذا الاحتمال لم يوفّق فيه الباحث ، فهل يستشفّ القارئ في « نقعا » - فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً [ العاديات : 4 ] - إلا دلالتها على الغبار الكثيف ؟ ومن الواضح أن أصوات المفردة هنا في حال اعتباطية قطعت صلتها بالمعنى ، وصارت رمزا خالصا . وقد غاب عن ذهن المبارك هنا ، أن صيغة الفواصل في السورة بسكون الوسط والتنوين « ضبحا ، قدحا ، نقعا ، جمعا » ما يناسب مقام الغضب ، ومعاني الزّجر والوعيد ، فكأن الكلمات قذائف تختم بها الآيات قصيرة المدى : وَالْعادِياتِ ضَبْحاً ( 1 ) فَالْمُورِياتِ قَدْحاً ( 2 ) فَالْمُغِيراتِ صُبْحاً ( 3 ) فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً ( 4 ) فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً [ العاديات : 1 - 5 ] والضّبح : صوت أجواف الخيل وأنفاسها . وهذا المشهد العنيف لا يصوّره لنا الفنّ الزّمني ، وربما يستعصي على الفن المكاني ، والجدير بالذّكر أنّ الفاصلة لا تقف على المدّ كما هي الحال في سورة مريم ، بل على قوة التنوين ، ولعله يريد من تكرار قوّة التنوين في الفواصل تكرار وقع الحوافر . أما كلمتا « بعثر » و « حصّل » في الآيتين : إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ ( 9 ) وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ [ العاديات : 9 - 10 ] ، فإنّ ماهية جرس الحروف لا تكفي وحدها لهذه المناسبة ، بل تواكبها الحركات ، وهذا ما قد لحظه الباحث ، فللصيغة الصّرفية أثر مهم تؤدي دورا مهمّا ، وكلمة « بعثر » لولا ضمّ الباء فيها التي تنطبق عندها الشّفاه للضم أيضا ، وكسر الثاء اللّثوي
--> ( 1 ) دراسات أدبية ، د . محمد المبارك ، ص 19 .